النويري
55
نهاية الأرب في فنون الأدب
عن حرمة ، فإذا عزمتم فأعلمونى أخبركم بمأتي هذا الأمر . فأخرج فإذا فيروز وداذويه ينتظراننى ، وجاء قيس ونحن نريد أن نناهضه ، فقال له رجل قبل أن يجلس إلينا : الملك يدعوك ، فدخل في عشرة من مذحج وهمدان فلم يقدر على قتله معهم . فقال : يا عبهلة بن كعب بن غوث ، أمنّى تحصّن بالرجال ! ألم أخبرك الحقّ وتخبرنى الكذابة [ 1 ] ! إنه يقول : يا سوءة ، إلَّا تقطع من قيس يده ، يقطع قنّتك العليا ، حتى ظنّ أنه قاتله . فقال : إنه ليس من الحقّ أن أقتلك وأنت رسول اللَّه ؛ فمرنى بما أحببت ، فأمّا الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة أن تقتلني ، وإمّا قتلتني فموتة أهون علىّ من موتات أموتها كلّ يوم . فرقّ له وأخرجه ؛ فخرج إلينا ، فأخبرنا . وقال : اعملوا عملكم ، وخرج إلينا في جمع ، فقمنا مثولا له ، وبالباب مائة ما بين بقرة وبعير ، فقام وخطَّ خطَّا ، وأقيمت من ورائه ، وقام من دونها فنحرها غير محبّسة ولا معقّلة ، ثم خلَّاها ما يقتحم الخطَّ منها شئ ، ثمّ خلاها فجالت إلى أن زهقت . فما رأيت أمرا كان أفظع منه ، ولا يوما أو حش منه ، ثم قال : أحقّ ما بلغني عنك يا فيروز ؟ - وبوّأ له الحربة - لقد هممت أن أنحرك فأتبعك هذه البهيمة ؛ فقال : اخترتنا لصهرك ، وفضّلتنا على الأبناء ، فلو لم تكن نبيّا ما بعنا نصيبنا منك بشئ ، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر آخرة ودينا ! لا تقبلنّ علينا أمثال ما يبلغك ؛ فإنّا بحيث تحبّ ؛ فقال : اقسم هذه ، فأنت أعلم بمن هنا .
--> [ 1 ] ك : « وتخبرنى الكذبة » .